الرئيسية الدراسات والابحاث اصدرات المعهد التقرير الاستراتيجي إستطلاعات رأي انشطة وفعاليات إعلانات مجلة فلسطين العلمية عن المجلة

على مفترق طرق: نحو حرب باردة جديدة أم حرب عالمية ثالثة

على مفترق طرق: نحو حرب باردة جديدة أم حرب عالمية ثالثة |              معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي

كتب د. عوض سليمية*

( على مفترق طرق: نحو حرب باردة جديدة أم حرب عالمية ثالثة)

حالة الاستقطاب الحاد بين القطبين العملاقين الصين والولايات المتحدة تأخذ منحى خطير بدأ يخرج من سياقاته التنافسية، من ناحية، جاء الانسحاب الامريكي من افغانستان وتسليم الحكم لحركة طالبان في سياق خلق مزيد من الضغط الذي تمارسه واشنطن على بكين من خلال خلق بؤرة توتر على حدودها مع افغانستان، وخاصة في اقليم تشينج يانج ذو الاغلبية المسلمة الطامحة للانفصال عن بكين. من ناحية أخرى، إعلان الرئيس بايدن مؤخراً إقامة تحالف أمني إستراتيجي يجمع كل من الولايات المتحدة، بريطانيا واستراليا، الــ AUKUS. جاء على نمط إحياء تحالف الحرب العالمية الثانية في المحيط الهادي ضد اليابان – ولكن هذه المرة موجه ضد الصين.

بينما تعهد الرئيس بايدن بعد فوزه، بالبدء بحملة ترميم علاقات امريكا مع دول العالم والتي أفسدها ترامب، غير أن الصين كانت استثناءً، فقد أعلن بايدن مرارًا أن المنافسة مع الصين تعد أكبر تحدٍ تواجهه السياسة الخارجية لبلاده. وقد ركزت استراتيجية الامن القومي الامريكي على هذا النهج فيما بات يعرف بـ "عقيدة بايدن تجاه الصين".

بتاريخ29 April 2021 وفي أول خطاب له امام الكونجرس، هاجم بايدن وبشكل مباشر الصين، وقال "أمريكا ستقف في وجه الممارسات التجارية غير العادلة من قبل الصين التي تقوض العمال الأمريكيين والصناعات الأمريكية... وسرقة التكنولوجيا الأمريكية والملكية الفكري"، وأتهم الرئيس الصيني تشي جين بينغ بأنه "جاد للغاية في أن يصبح أكثر دول العالم أهمية". وقال بايدن "أن تشي وغيره من الحكام المستبدين يعتقدون أن الديمقراطية لا يمكن أن تنافس في القرن الحادي والعشرين".

ضمن هذا السياق، بتاريخ 15 ايلول/ سيبتمبر2021، أعلن الرئيس بايدن خلال مؤتمر افتراضي استضافه البيت الابيض ضم كل من رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون ورئيس الوزراء الاسترالي سكوت موريسون، ولادة تحالفاً أمنياً استراتيجياً يضم كل من أستراليا، بريطانيا وامريكا "AUKUS"، ويقضي الاتفاق بين البلدان الثلاث من بين أمور اخرى، على تبادل المعلومات والتكنولوجيا في عدد من المجالات بما في ذلك الاستخباراتية والامنية، ومفتاح هذا التحالف حصول استراليا على صفقة بناء 8 غواصات تعمل بالطاقة النووية. في خطوة تصبّ في إطار مساعي استراليا الرامية لتعزيز دفاعاتها العسكرية في مواجهة القوة الصينية الصاعدة، وفقا لتصريحات موريسون. وأضاف موريسون خلال المؤتمر: "سنعزّز قدراتنا على الضربات البعيدة المدى، بما في ذلك صواريخ كروز من طراز توماهوك ستزوّد بها مدمّرات البحرية الملكية الأسترالية من فئة هوبارت، وبصواريخ جوّ-أرض للمواجهة المشتركة الممتدّة المدى سيتزوّد بها سلاح الجوّ الملكي الأسترالي". "إنها 'صفقة كبيرة' لأن هذا يظهر حقًا أن جميع الدول الثلاث ترسم خطاً في الرمال لبدء ومواجهة التحركات العدوانية لبكين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ"، يقول جاي بوكينشتاين، كبير مديري الدفاع والأمن القومي في حكومة الإقليم الشمالي الأسترالي.

بينما نددت الصين بهذه الخطوة واعتبرتها استعراض لعقلية الحرب الباردة، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية تشاو ليجيان أن الاتفاقية "تقوض بشكل خطير السلام والاستقرار الإقليميين وتكثف سباق التسلح.

إن الهدف الوحيد الذي يمكن تصوره من هذا التحالف، كجزء من إستراتيجية البنتاغون الشاملة للحرب النووية، هو أن يكون الجيش الامريكي والحلفاء الجدد على أُهبة الاستعداد لمطاردة الغواصات النووية والسفن الحربية الصينية في منطقة المحيطين الهندي والهادي، في مقابلة مع مجلة Air Force Times بتاريخ 1 May2020 أوضح الجنرال تيموثي راي، رئيس قيادة الضربة النووية الشاملة في القوات الجوية الأمريكية، أنه على عكس الخصوم الذين قاتلتهم الولايات المتحدة على مدى العقدين الماضيين أو نحو ذلك، فإن روسيا والصين، إذا أصبحتا أعداء، ستهددان بالإبادة الجسدية للولايات المتحدة في حالة الصراع. وشدد الجنرال على أن هذا يعني أن أمريكا بحاجة إلى تحديث المكونات الثلاثة لثالوثها النووي، (القاذفات، الصواريخ الباليستية العابرة للقارات والغواصات النووية)".

في ظل التوترات المتصاعدة أصلاً في مضيق تايوان وبحر الصين الجنوبي، حيث التحليق شبه اليومي من قبل الطيران العسكري الصيني والامريكي الى جانب التواجد الكثيف للسفن الحربية للطرفين، مع تزايد سباق التسلح في الكوريتين، يرافقه تكثيف البحرية الملكية البريطانية نشاطاتها في تلك المنطقة، حيث أجرت تدريبات مؤخراً مع قوات الدفاع اليابانية. فإن مخاطر حدوث أي خطأ عالية جدا، إذا ما اصطدمت إحدى السفن الحربية، أو سقطت احدى الصواريخ أو القذائف حتى بطريق الخطأ، ستكون لغة الخطاب بين الطرفين مختلف جداً، ستؤدي الى اندلاع الشرارة المتوقعة والتي ربما تتطور الى حرب نووية شاملة.

حتى الآن، كلما اقتربت سفينة أمريكية من المياه الاقليمية الصينية، تكون القوة البحرية الصينية حاضرة وتأمرها بالمغادرة فوراً. قد يستمر هذا النمط من السلوك الحذر دون وقوع حادث واحد على الاقل، مما يسمح لكلا الجانبين "بحفظ ماء الوجه". يمكن للولايات المتحدة أن تدعي أن حرية عمليات الملاحة بفعل قوتها العسكرية تحدَت "عسكرة" الصين للمنطقة. بالمقابل يمكن للصين أن تقول أنها أبعدت المتسللين عن مياهها الاقليمية. ويبقى كلا الطرفين في حالة تأهب قصوى أشبه بحالة الحرب الباردة بين القطبين السوفييتي والامريكي.

*باحث مختص بالشأن الامريكي

معهد فلسطين لابحاث الامن القومي