الرئيسية الدراسات والابحاث اصدرات المعهد التقرير الاستراتيجي إستطلاعات رأي انشطة وفعاليات إعلانات مجلة فلسطين العلمية عن المجلة

موقف ادارة بايدن من قرارات الرئيس التونسي

موقف ادارة بايدن من قرارات الرئيس التونسي |              معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي

موقف ادارة بايدن من قرارات الرئيس التونسي


تنامي الغضب الشعبي والاحتجاجات ضد الحكومة التونسية في معظم المدن الكبرى نتيجة لتردي الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية في تونس، وبدلاً من النظر في ايجاد حلول لاخراج تونس من أزماتها المتفاقمة، تحولت جلسات البرلمان التونسي الى ساحة جدل تخللها الشتائم والاعتداء اللفظي والجسدي بين النواب ( النائب الصحبي صمارة أعتدى باللكمات على النائب عبير الموسى)، وارتفعت نسبة البطالة في الدولة بشكل ملحوظ، الى جانب انكماش الاقتصاد التونسي بنسبة وصلت الى 8.8% في العام 2020، وراتفاع وتيرة الفساد المستشري بين اركان الحكومة، الى جانب غياب خطة استراتيجية من قبل الحكوم للتعامل والسيطرة على جائحة كوفيد19 والتي اصبحت خطرا يهدد حياة المواطنين التونسيين.

دفعت هذه العوامل مجتمعةً الرئيس التونسي قيس سعيد بتاريخ 25 يوليو/تموز2021 - واستنادا الى الصلاحيات المخولة له في الفصل 80 من الدستور التونسي، الى اتخاذ مجموعة من القرارات السيادية، كان أبرزها تجميد عمل الحكومة التونسية واقالة رئيس الحكومة هشام المشيشي (عين رئيسًا للوزراء بتاريخ 20 يوليو/تموز 2020)، حل البرلمان التونسي الذي يتزعمه "راشد الغنوشي" أمين عام حزب النهضة التونسي، المنبثق عن الاخوان المسلمين، ورفع الحصانة الدبلوماسية عن كافة أعضائه، ولمدة ثلاثين يوماً. وكما توقع المراقبون، أعلنت الرئاسة التونسية في بيانها بتاريخ 24 أغسطس/ آب 2021، بيانا جاء فيه "أن الرئيس قرر تمديد الإجراءات الإستثنائية بشأن تعليق عمل مجلس النواب ورفع الحصانة البرلمانية عن نوابه حتى إشعار آخر."

على الفور رحب ملايين التونسيون وأحزابهم القومية واليسارية بإجراءات الرئيس الاستثنائية، واعتبروها خطوات دستورية في اتجاه تصحيح المسار الديموقراطي بعد سنوات من ثورة الياسمين 2011، وبدء مرحلة جديدة في رسم خارطة طريق لمواجهة أزمات تونس المتفاقمة، وحملوا حركة النهضة مسؤولية ما لحق في البلاد من تدهور في كافة مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية، بينما، اعتبرت "النهضة" هذه القرارات بمثابة "انقلاب" على الشرعية.

على الصعيد الدولي، جاءت غالبية مواقف دول العالم بما فيها الولايات المتحدة والإتحاد الاوروبي محايدة، بإستثناء دعوة الرئيس التونسي الى ضرورة الاسراع في حل الازمة والعودة الى الحياة البرلمانية، لمنع انزلاق البلاد الى حافة حرب أهلية، على اعتبار أن تونس هي النموذج الوحيد الناجي من محرقة الربيع العربي.

الموقف الامريكي

انطلاقاً من إدراك الإدارات الامريكية المتعاقبة، بعدم جدوى دعم حكم حركة الاخوان المسلمين والاحزاب التابعة لها في دول الربيع العربي - بعد فشلها في تقديم ما وعدت به المواطنين- خاصة بعد الثورة المصرية في الثالث من يوليو/تموز 2013 والتي أطاحت بالرئيس السابق، محمد مرسي وحزبه "الحرية والعدالة"، فقد جاءت مواقف إدارة بايدن من أحداث تونس مشابهه تماما لمواقف سلفه "باراك اوباما" من ثورة المصريين، وبالنظر الى قناعة الرئيس بايدن بأنه لم يعد من الممكن اعادة تسويق ثورات الربيع العربي، أبدى بايدن موافقة ضمنية على القرارات والإجراءات التي اتخذها الرئيس التونسي قيس سعيد والتي أدت الى تقويض منظومة حكم الحزب الواحد. مع إعادة التاكيد على استمرار دعم الولايات المتحدة للتطلعات الاقتصادية والاجتماعية للشعب التونسي، حثت إدارة بايدن الرئيس سعيد على ضرورة الاسراع في تشكيل حكومة قادرة على تحقيق الاستقرار في الاقتصاد التونسي ومواجهة جائحة كورونا.

وفي هذه الاطار، أشار حسام ابراهيم – نائب مدير مركز المستقبل في تونس، في مقالته أن حركة النهضة التونسية أخطأت في تقديرها للموقف الامريكي حين اعتقدت أن الولايات المتحدة سترفض أو على أقل تقدير ستدين اجراءات الرئيس سعيد، لكن ما صدر من مواقف رسمية أمريكية جاءت مخيبة لآمال قيادة النهضة، ويضيف إبراهيم، ان الولايات المتحدة تبنت لغة دبلوماسية تقليدية أكدت فيها على أهمية تفعيل المسار الديموقراطي والاهتمام بحقوق الانسان لتحريك دواليب الدولة. من ناحية أخرى، يرى Daniel Brumberg في مقالته على موقع Responsible State Craft أن ممارسة أي ضغوط من قبل الولايات المتحدة على الرئيس التونسي مسألة صعبة، على الرغم من أن إدارة بايدن دعت الرئيس سعيد للسماح للبرلمان بالانعقاد. لكن لا يمكن لواشنطن الاستمرار في الضغط تجنباً للحرج السياسي، فلا يريد بايدن أن يجد نفسه مدافعاً عن حزب النهضة، بالنظر إلى حقيقة أن العديد من قادة الأحزاب من القوى الليبرالية واليسارية والتي أشارت بشكل مختلف إلى الدعم القوي لأفعال "سعيد" باسم مقاومة "النغمة الاستعمارية الجديدة المتعالية" لـ "التدخل" الأجنبي. وتصوير قادة النهضة على أنهم مجرد عملاء للنفوذ الأمريكي.

جاءت اولى ردود الفعل الامريكية، في بيان السفارة الامريكية في تونس على موقعها الرسمي في اليوم التالي لقرارات الرئيس سعيد بتاريخ 26 يوليو/ تموز جاء فيه، " تراقب الولايات المتحدة عن كثب التطورات في تونس. كنا على تواصل مع مسؤولين في الحكومة التونسية للتأكيد على أن حلول المشاكل السياسية والاقتصادية في تونس يجب أن تستند إلى الدستور التونسي ومبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان والحرية.... ونحث على الاحترام الدقيق لحرية التعبير وغيرها من الحقوق المدنية... وستواصل الولايات المتحدة الوقوف إلى جانب الديمقراطية التونسية."

وجاء في بيان وزارة الخارجية الامريكية، عقب اتصال هاتفي اجراه وزير الخارجية الامريكية، انتوني بلينكن بالرئيس سعيد، أن بلينكن شجع سعيد على "ضرورة احترام الديموقراطية وحقوق الانسان التي تقوم عليها مبادئ الحكم في تونس" وأن وزير الخارجية وعد الرئيس التونسي " باستمرار دعم الولايات المتحدة للاقتصاد التونسي ومساعدة البلاد في مواجهة عودة انتشار فيروس كورونا "كوفيد19" وفق تقرير الـــ BBC بتاريخ 27يوليو2021.

في ذات السياق، التقى وفد أمريكي كان على رأسه نائب مستشار الامن القومي الامريكي "جون فاينر" وكبير الدبلوماسيين الامريكيين لشؤون الشرق الاوسط "جوي هود"، بتاريخ 13 اغسطس/أب، بالرئيس التونسي حاملا رسالة من الرئيس بايدن "يحض فيها على العودة السريعة إلى مسار الديمقراطية البرلمانية في تونس". وأعلن بيان البيت الابيض أن المستشار الأمريكي "ناقش أيضا مع الرئيس سعيّد الحاجة الملحة إلى تعيين رئيس وزراء مكلف، لتأليف حكومة قادرة على معالجة الأزمات الاقتصادية والصحية العاجلة التي تواجه تونس". وقد أكد بيان البيت الابيض تمسك الولايات المتحدة بصداقتها الاستراتيجية مع تونس وتدعم التحول في المسار الديموقراطي. إستنادا الى موقع فرانس24.

يرى منتقدو الموقف الامريكي من الازمة أن إدارة بايدن والتي تعتنق النهج الديموقراطي في إدارة الحكم قد أخذت موقف "الجلوس متفرجاً" على انهيار الديموقراطية الناشئة في تونس، ولم ترسل أي اشارة تحذيرية للرئيس التونسي تجبره على التراجع أو الجلوس للحوار مع النهضة، بينما يرى آخرون، أن قرارات الرئيس جاءت استجابة لموقف ملايين التونسيين وانتصار للارادة الشعبية ضد سياسة حركة النهضة الفاشلة، وأنها منسجمة تماما مع صلاحيات الرئيس وفق الدستور التونسي.

من هذا المنطلق يُطرح السؤال التالي، لماذا فضلت إدارة بايدن الموافقة الضمنية على قرارات الرئيس التونسي. يوعز ابراهيم ذلك الى جملة من الاسباب من أهمها،

1. دور مجلس الامن القومي الامريكي: انطلاقا من الخبرة التاريخية لدى اعضاء مجلس الامن القومي والذي شارك معظمهم كمستشارين في ادارة الرئيس الاسبق باراك اوباما، وكانوا جزءا من الشهود على اخفاقات ثورات الربيع العربي، فقد سيطر قرار التريث وعدم إتخاذ أي قرارات سريعة من ادارة بايدن ردا على قرارات الرئيس سعيد.

2. المحددات القانونية: وفق المحددات القانونية من قانون المساعدات الخارجية الامريكية في القسم 508 وتعديلاتها رقم 7008 لعام 1961 من قانون مخصصات العمليات الخارجية والبرامج ذات الصلة لعام 2013، والذي يمنع المساعدات الخارجية للدول التي تتم الاطاحة برئيسها "بانقلاب عسكري"، فإن هذا المصطلح "الانقلاب" لا ينطبق على الحالة في تونس، فما جرى هو أن الرئيس المنتخب شرعيا استخدم صلاحياته الدستورية، وبالتالي لا تستطيع الولايات المتحدة ايجاد حجج او ذرائع لادانة القرارات الرئاسية أو التلويح بقطع المساعدات الخارجية عن تونس.

3. المحددات الداخلية: والمتمثل في قناعة ادارة بايدن بفشل حكومة "النهضة" في تحقيق انجازات اقتصادية ذات أثر على حياة المواطنين الى جانب فشلها في السيطرة على جائحة كورونا التي انتشرت بشكل واسع في البلاد، بالاضافة الى تأكد الادارة الامريكية من أن إجراءات الرئيس سعيد جاءت استجابة لرغبات ملايين التونسيين الذين دعموا هذه القرارات ورحبوا بها.

تدهور الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية وارتفاع حدة الاستقطاب السياسي في البلاد، أشعر التونسيون بخيبة أمل كبيرة، وبالتالي ضرورة تدخل الرئيس قيس سعيد لاجراء جراحة قانونية لمعالجة هذا الوضع، لكن يبقى أن نرى ما إذا كانت تصرفات سعيد هي ما يبحث عنه التونسيون. يزعم البعض، أن تحركات الرئيس سعيد تحمل أصداء تجارب الماضي في المنطقة التي أطاحت بالأحزاب الإسلامية المنتخبة ديمقراطياً، مما أدى إلى مزيد من عدم الاستقرار أو الانتكاس الحاد في الديموقراطية إلى حكم شمولي. بينما، من المرجح أن يدعي المدافعون عن سعيد أن أفعاله كانت ضرورية لحماية التقدم السياسي في تونس منذ عام 2011، لكن بالنسبة لحركة النهضة وآخرين، يذكرهم ذلك بإجراءات الرئيس عبد الفتاح السيسي في مصر.


د. عوض سليمية

*باحث في العلاقات الدولية والشؤون الامريكية/ معهد فلسطين لابحاث الامن القومي